top of page

عن الأديبة

بعد استقلال الجزائر عام  1962، أصّر محمّد الشّريف، والد أحلام مستغانمي، وأحد وجوه النضال الجزائريّ ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، على إرسال ابنته البكر إلى أوّل مدرسة عربيّة للبنات في الجزائر، ثمّ إلى أوّل ثانويّة معرّبة للبنات، كي تدرس العربيّة التي حُرِم رجال جيله من تعلّمها. مما جعل أحلام واحدة من أوائل جيلها لتلقّي التعليم باللغة العربيّة. فتخرّجت من كليّة الآداب مع أوّل دُفعة مُعرّبة في الجزائر في بداية السبعينات. وهكذا عاشت أحلام مسكونة بعشقها للّغة العربيّة، وبهاجس القضايا القوميّة التي تربّت عليها بحكم التاريخ النضاليّ لوالدها، والوهج الثوريّ الذي رافق صباها على زمن الرئيس الراحل هواري بومدين ، والزعيم جمال عبد الناصر .

لقد تركت هذه المرحلة بصماتها الأبديّة في وجدان الكاتبة، وبالتّالي على أعمالها الأدبيّة، التي مُذ نصوصها الأولى وحتى آخر إصداراتها، تناوبت عليها قضايا الأمّة بأحداثها ومآسيها، حتى غدت أحلام ابنة كلّ الأوطان العربيّة ..

* بعد إصدارها في السبعينات عملَين شعريّيَن شكّلا حدثًا أدبيًّا في الساحة الأدبيّة الجزائريّة، هما "على مرفأ الأيّام" و"الكتابة في لحظة عُريّ" عن دار الآداب، انتقلت أحلام مستغانمي للدراسة  في باريس .  حيث تزوّجت سنة 1976 من الصحفي اللبناني جورج الراسي الذي  كان زميلها  في جامعة السوربون ،  وكرّست حياتها لأسرتها ولمتابعة دراستها .

عام 1985 نالت  شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، بإشراف شيخ المستشرقين البروفسور جاك بيرك .
  عام 1993 غادرت إلى بيروت ، حيث أحدثت أحلام مستغانمي هزّة في العالم الأدبيّ عُقب إصدار روايتها الأولى "ذاكرة الجسد"، التي بيع منها أكثر من مليون نسخة، في السنوات الأولى من صدورها ، (دون احتساب الطبعات المقرصنة التي تتجاوز هذا العدد ) .

* إن رواية "ذاكرة الجسد" شلاّل من الأحاسيس العاطفيّة والوطنيّة، كُتبت بلغة شاعريّة عالية وبوجع الخيبات الكبرى، أهدتها الكاتبة إلى والدها وإلى الروائيّ والشاعر الجزائريّ مالك حداد  الذي يقاسم  والدها مأساة حرمانه من تعلّم اللغة العربيّة،  والذي أعلن  غداة الاستقلال أن الفرنسية منفاه، لذا سيتوقّف عن الكتابة لرفضه التوجّه لشعبه بلغة ليست لغته. 
ظلّ  مالك حدّاد على عهده ،  إلى أن مات" شهيد اللغة العربيّة" بحسب تعبير الكاتبة، التي أسسّت عام 2000 جائزة باسمه  كانت على مدى ثماني سنوات ، أهم جائزة أدبيّة في الجزائر، تهدف الى دعم كتاّب اللغة العربيّة الشباب.

*  تُعتبر أحلام مستغانمي من أوائل النساء الجزائريّات اللواتي كتبن باللغة العربيّة، وأوّل كاتبة عربيّة معاصرة مهيمنة على قائمة المبيعات إذ صنفتها مجلة   Arabian Feature
عدد نوفمبر  2025

 " الكاتبة العربية الأكثر مقروئية في كل زمان "
على مدى ثلاثين عامًا، أصبحت أحلام مستغانمي صاحبة الروايات الأكثر انتشارا  في العالم العربيّ، من خلال ثُلاثيّتها "ذاكرة الجسد" (1993) و"فوضى الحواس" (1997) و"عابر سرير" (2003).

سنة 2009 أصدرت كتاب " قلوبهم معنا و قنابلهم علينا " الذي يتناول الاجتياح     الأمريكي للعراق ، و كتاب "نسيان . كم" و هو وصفات لنسيان رجل .

بعد انتظارٍ دام تسع سنوات، عادت الكاتبة  عامّ (2012) إلى عالم الرواية عبر عملها "الأسودُ يليقُ بكِ" ، الذي حقق نجاحاً ساحقاً حال نزوله للمكتبات ، بتجاوز مبيعات هذه الرواية  سقف المائة ألف نسخة خلال الشهرين الأولين لصدورها ، و هي الرواية  الأكثر انتشارا  في الأنترنيت   بعد "ذاكرة الجسد" من خلال  مقولاتها  المتداولة في وسائل التواصل  ، و عنوانها الذي غدا  شعارا  أطلق على مجموعة أزياء و مصوغات  ، وظهور  مشاهير في كليبات وهم  يحملون الكتاب .

* سنة 2018   أصدرت  "شهيا كفراق"  كتاب تأملي في  وجع  الفراق و فلسفته
* سنة 2023 أصدرت " أصبحت أنت "  سيرة روائية  بصيغة ثنائية ،  تجمع  بين  تاريخ  والدها المناضل ، ودخوله مستشفى الأمراض العقلية  إثر ضغوط سياسية و تعرّضه لمحاولة اغتيال ، و قصة حبه المستحيلة  لفتاة يوغسلافية  تكتب له رسائل لن يدري بها ، لاحتفاظ الأم  بالبريد . موازاة  لمراهقة الكاتبة   ومشاعر  قصصها العاطفية الأولى ، بطرافتها  و دهشتها  و دموعها ، وانحيازها لوالدها الذي سيحميها من مجتمع ذكوري . نص محمل بتفاصيل عائلية واجتماعية وسياسية  ، "رحلة  أدبية و تاريخية ممتعة "  استقبلها الوسط الثقافي  بإعجاب . اعتبرها  البعض  في أهميّة ذاكرة الجسد ، و تبدو مفتاحها  و تتمة لها . كُتب عنها حين صدورها ما يقارب الأربعين مقالا ،  و أُعدت عنها سبع دراسات جامعية .

* تشكّل أحلام مستغانمي ظاهرة في شبكات التواصل الاجتماعيّ، إذ  يتابعها  على الفيسبوك   و منصة تويتر و الأنستاغرام   16 مليون متابع  و  تحمل اسمها  أكثر من 30 صفحة ، أسّسها معجبوها  على مختلف المواقع  .

أعمالها الأدبيّة في المناهج الدراسيّة

اعتُمدت روايات أحلام مستغانمي في المناهج الدراسيّة لجامعات ومدارس ثانويّة عدّة  في العالم العربيّ، كما في كبرى الجامعات الأوروبيّة والأمريكيّة.​

قُدّم عن أعمالها ما لا يُحصى من الرسائل الجامعيّة والأطروحات والدراسات النقديّة في الجامعات العربيّة والأجنبيّة على السّواء.

اعتمدت وزارة التربية الفرنسيّة رواية "ذاكرة الجسد" في امتحانات البكالوريا الفرنسيّة لعام 2003 التي تُجرىَ في خمسة عشر بلدًا يختار فيها الطلّاب اللغة العربيّة كلغة ثانية.

حاضرت أحلام مستغانمي وعملت كأستاذ زائر في العديد من الجامعات في لبنان (الجامعة الأميركية في بيروت عام  1995) والولايات المتّحدة (جامعة ميريلاند عام 1999، وجامعة يال عام 2005، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في بوسطن عام 2005، وجامعة ميشيغان 2005) وفرنسا (جامعة السوربون عام 2002، وجامعة مونبلييه عام 2002، وجامعة ليون عام 2003)

ترجمت رواياتها إلى لغات أجنبيّة عدّة، وصدرت عن دور نشر مرموقة.

بمبادرة من اليونسكو، طُبعت مُجمل أعمالها على طريقة برايل، لتكون في متناول المكفوفين من القراء. 

أثارت رواياتها اهتمام كبار السينمائييّن العرب أمثال الراحلين يوسف شاهين ومصطفى العقّاد، الذي تمّنى أن تُنقل "ذاكرة الجسد" إلى السينما. وفي حين اشترى يوسف شاهين حقوق الرواية، تمّ إخراجها في مسلسل تلفزيونيّ رمضانيّ على يد نجدت أنزور، بثّته تسع فضائيّات في رمضان 2010 .

الجوائز والتكريمات

  1996 جائزة مؤسسة نور للإبداع النسوي، القاهرة -

 1998 جائزة نجيب محفوظ عن رواية "ذاكرة  الجسد -

" الجامعة الأمريكية القاهرة سنة 1998 

جائزة جورج طربيه للثقافة والإبداع، بيروت 1999 -

 وسام لجنة رواد لبنان عن مجمل أعمالها، بيروت 2004 -

2006  أكثر امرأة عربية تميزا لسنة  

 مركز دراسات المرأة العربية باريس/دبي2006 -

 وسام التقدير والعرفان، مؤسسة الشيخ عبد الحميد بن باديس، قسنطينة .2006 -

2006 وسام الشرف، من طرف رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة .

درع مؤسسة الجمار للإبداع العربي، طرابلس – ليبيا 2007-

 الشخصية الثقافية الجزائرية للسنة، نادي الصحافة الجزائرية. 2007-

درع بيروت، من طرف محافظ بيروت. 2009-

شخصية السلام من قبل "مؤسسة أطفال السلام " اليمن2014-

   (BIAF) 2014 جائزة أفضل كاتبة عربية للعام،  مهرجان بيروت الدولي للجوائز -

 

2015جائزة المرأة العربية الرائدة، جامعة ريجنتس-

(Regent’s) وغرفة التجارة العربية بدعم من عمدة لندن

 

  سنة 2016 سفيرة  اليونسكو للسلام للفترة 2016- استقالت  في نوفمبر 2024  - 

 

سنة 2024 شخصية العام الثقافية (حكومة الشارقة)  الدورة 43 للمعرض الدولي للكتاب -

Je suis un paragraphe. Cliquez ici pour ajouter votre propre texte et me modifier. C'est facile.

أحلام.jpeg

الأثر

(Tetz Rooke)اعتبر المستشرق السويدي تيتز روك

هي رواية   best seller أن "أول رواية عربية تدخل تحت وصف الأكثر مبيعا ذاكرة

الجسد لأحلام مستغانمي التي صدرت عام 1993" 
وصفت مجلة فوربس (Forbes) مستغانمي بأنها الكاتبة العربية الأكثر انتشارا إذ تجاوزت مبيعات أعمالها 2,300,000 نسخة . 
تتمتع مستغانمي بحضور بارز على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يفوق عدد متابعيها 14 مليون شخص على فايسبوك ، وأكثر 1,3 مليون على منصة إكس .
اعتمدت وزارة التربية الوطنية الفرنسية رواية ذاكرة الجسد في امتحانات البكالوريا لعام 2003، التي تُجرىَ في خمسة عشر بلدا يختار فيها التلاميذ اللغة العربية كلغة ثانية .
سنة 2010،  بإنتاج من تلفزيون أبو ظبي حُولت الرواية إلى مسلسل تلفزيوني من إخراج نجدة أنزور وبطولة جمال سليمان .
_ بمبادرة  من اليونسكو، طُبعت مُجمل أعمال مستغانمي على طريقة برايل، لتكون في متناول القراء المكفوفين .
قدّمت الكاتبة عدة  محاضرات و عملت كأستاذة زائرة في العديد من الجامعات.  
حاضرت في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1995،
وجامعة ميريلاند (Maryland) الأميركية عام 1999،
جامعة ييل (Yale) 2005
ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في بوسطن2005
وجامعة ميتشغن (Michigan) عام 2005. 
جامعة السوربون 2002
وجامعة مونبلييه (Montpellier ) 2014. 
جامعة ليون (Lyon) عام 2003. 
سنة  2000 بالتعاون مع التلفزيون الجزائري والديوان الوطني لحقوق المؤلف،   أطلقت جائزة مالك حداد الأدبية  التي كانت حتى سنة 2008 أكبر جائزة أدبية لدعم الكتاب الشباب

السيرة الذاتية لأحلام مستغانمي بقلم شقيقها مراد​​ مستغانمي


أحلام مستغانمي كاتبة تخفي خلف روايتها أبًا لطالما طبع​​ حياتها بشخصيته الفذّة وتاريخه

النضاليّ. لن نذهب إلى القول بأنّها أخذت عنه محاور​​ رواياتها اقتباسًا. ولكن ما من شك في أنّ مسيرة حياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت​​ صدى واسعًا عبر مؤلِّفاتها​​.

كان​​ والدها​​ "محمد الشريف​​" من هواة الأدب الفرنسي. وقارئًا ذا​​ ميول كلاسيكيّ لأمثال​​ Victor Hugo, Voltaire, Jean Jaques Rousseau,

يستشف​​ ذلك كلّ من يجالسه لأوّل مرّة. كما كانت له القدرة على سرد الكثير من القصص عن​​ مدينته الأصليّة مسقط رأسه​​ "قسنطينة​​" مع إدماج عنصر​​ الوطنيّة وتاريخ الجزائر في كلّ حوار يخوضه. وذلك بفصاحة فرنسيّة وخطابة​​ نادرة.​

 

وبعد أن أطلق سراحه سنة​​ 1947 كان قد فقد عمله بالبلديّة, ومع ذلك فإنّه يعتبر​​ محظوظاً إذ لم يلق حتفه مع من مات آنذاك (45 ألف شهيد سقطوا خلال تلك المظاهرات​​) وأصبح ملاحقًا من قبل الشرطة الفرنسيّة, بسبب نشاطه السياسي بعد حلّ حزب الشعب​​ الجزائري. الذي أدّى إلى ولادة ما هو أكثر أهميّة, ويحسب له المستعمر الفرنسي ألف​​ حساب: حزب جبهة التحرير الوطني​​ FLN.

 

وأمّا​​ عن الجدّة فاطمة الزهراء, فقد كانت أكثر ما تخشاه, هو فقدان آخر أبنائها بعد أن​​ ثكلت كل إخوته, أثناء مظاهرات 1945 في مدينة قالمة​​.

 

هذه المأساة, لم تكن مصيراً لأسرة المستغانمي فقط​​. بل لكلّ الجزائر من خلال ملايين العائلات التي وجدت نفسها ممزّقة تحت وطأة الدمار​​ الذي خلّفه الإستعمار​​.

بعد أشهر قليلة, يتوّجه محمد الشريف مع أمّه​​ وزوجته وأحزانه إلى تونس كما لو أنّ روحه سحبت منه. فقد ودّع مدينة قسنطينة أرض​​ آبائه وأجداده​​.

 

كانت​​ تونس فيما مضى مقرًّا لبعض الرِفاق الأمير عبد القادر والمقراني بعد نفيهما. ويجد​​ محمد الشريف نفسه محاطاً بجوٍّ ساخن لا يخلو من النضال, والجهاد في حزبي​​ MTLD و​​ PPA بطريقة تختلف عن نضاله السابق ولكن لا تقلّ أهميّة عن الذين يخوضون​​ المعارك​​.

في هذه الظروف التي​​ كانت تحمل مخاض الثورة​​, وإرهاصاتها الأولى تولد أحلام في تونس​​.

ولكي تعيش أسرته, يضطر الوالد للعمل كمدرّس للّغة​​ الفرنسيّة. لأنّه لا يملك تأهيلاً غير تلك اللّغة, لذلك, سوف يبذل الأب كلّ ما​​ بوسعه بعد ذلك, لتتعلَّم ابنته اللغة العربيّة التي مُنع هو من تعلمها. وبالإضافة​​ إلى عمله, ناضل محمد الشريف في حزب الدستور التونسي (منزل تميم) محافظًا بذلك على​​ نشاطه النضالي المغاربيّ ضد الإستعمار​​.

 

وعندما​​ اندلعت الثورة الجزائريّة في أوّل نوفمبر 1954 شارك أبناء إخوته عزّ الدين وبديعة​​ اللذان كانا يقيمان تحت كنفه منذ قتل والدهما, شاركا في مظاهرات طلاّبيّة تضامنًا​​ مع المجاهدين قبل أن يلتحقا فيما بعد سنة 1955 بالأوراس الجزائريّة. وتصبح بديعة​​ الحاصلة لتوّها على الباكالوريا, من أولى الفتيات الجزائريات اللاتي استبدلن​​ بالجامعة الرشّاش, وانخرطن في الكفاح المسلَّح​​.

 

ما زلت لحدّ الآن, صور بديعة تظهر في الأفلام​​ الوثائقية عن الثورة الجزائرية. حيث تبدو بالزي العسكري رفقة المجاهدين. وما زالت​​ بعض آثار تلك الأحداث في ذاكرة أحلام الطفوليّة. حيث كان منزل أبيها مركزاً يلتقي​​ فيه المجاهدون الذين سيلتحقون بالجبال, أو العائدين للمعالجة في تونس من​​ الإصابات​​.

بعد الإستقلال, عاد جميع أفراد الأسرة إلى الوطن​​. واستقرّ الأب في العاصمة حيث كان يشغل منصب مستشار تقنيّ لدى رئاسة الجمهوريّة, ثم​​ مديراً في وزارة الفلاحة, وأوّل مسؤول عن إدارة وتوزيع الأملاك الشاغرة, والمزارع​​ والأراضي الفلاحيّة التي تركها المعمّرون الفرنسيون بعد مغادرتهم الجزائر. إضافة​​ إلى نشاطه الدائم في اتحاد العمال الجزائريّين, الذي كان أحد ممثليه أثناء حرب​​ التحرير​​.

 

غير أن حماسه لبناء الجزائر المستقلّة لتوّها​​, جعله يتطوّع في كل مشروع يساعد في الإسراع في إعمارها. وهكذا إضافة إلى المهمّات​​ التي كان يقوم بها داخليًّا لتفقّد أوضاع الفلاّحين, تطوَّع لإعداد برنامج إذاعي​​ (باللّغة الفرنسيّة) لشرح خطة التسيير الذاتي الفلاحي. ثمّ ساهم في حملة محو​​ الأميّة التي دعا إليها الرئيس أحمد بن بلّة بإشرافه على إعداد كتب لهذه​​ الغاية​​.

 

وهكذا نشأت ابنته الكبرى في محيط عائلي يلعب الأب​​ فيه دورًا أساسيًّا. وكانت مقرّبة كثيرًا من أبيها وخالها عزّ الدين الضابط في جيش​​ التحرير الذي كان كأخيها الأكبر. عبر هاتين الشخصيتين, عاشت كلّ المؤثّرات التي​​ تطرأ على الساحة السياسيّة. و التي كشفت لها عن بعد أعمق, للجرح الجزائري (التصحيح​​ الثوري للعقيد هواري بومدين, ومحاولة الانقلاب للعقيد الطاهر زبيري), عاشت الأزمة​​ الجزائرية يومًّا بيوم من خلال مشاركة أبيها في حياته العمليّة, وحواراته الدائمة​​ معها​​.

 

لم تكن​​ أحلام غريبة عن ماضي الجزائر, ولا عن الحاضر الذي يعيشه الوطن. مما جعل كلّ​​ مؤلفاتها تحمل شيئًا عن والدها, وإن لم يأتِ ذكره صراحة. فقد ترك بصماته عليها إلى​​ الأبد. بدءًا من اختياره العربيّة لغة لها. لتثأر له بها. فحال إستقلال الجزائر​​ ستكون أحلام مع أوّل فوج للبنات يتابع تعليمه في مدرسة الثعالبيّة, أولى مدرسة​​ معرّبة للبنات في العاصمة. وتنتقل منها إلى ثانوية عائشة أم المؤمنين. لتتخرّج سنة​​ 1971 من كليّة الآداب في الجزائر ضمن أوّل دفعة معرّبة​​ تتخرّج بعد الإستقلال من جامعات الجزائر​​.

لكن قبل​​ ذلك, سنة​​ 1967, وإثر إنقلاب بومدين واعتقال الرئيس أحمد بن​​ بلّة. يقع الأب مريضًا نتيجة للخلافات "القبليّة" والانقلابات السياسيّة التي أصبح​​ فيها رفاق الأمس ألدّ الأعداء​​.

هذه الأزمة النفسيّة, أو الانهيار العصبيّ الذي​​ أصابه, جعله يفقد صوابه في بعض الأحيان. خاصة بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال, مما أدّى​​ إلى الإقامة من حين لآخر في مصحّ عقليّ تابع للجيش الوطني​​ الشعبيّ​​.

كانت أحلام آنذاك في سن المراهقة, طالبة في ثانوية​​ عائشة بالعاصمة. وبما أنّها كانت أكبر إخواتها الأربعة, كان عليها هي أن تزور​​ والدها في المستشفى المذكور, والواقع في حيّ باب الواد, ثلاث مرّات على الأقلّ كلّ​​ أسبوع. كان مرض أبيها مرض الجزائر. هكذا كانت تراه​​ وتعيشه​​.

 

قبل أن​​ تبلغ أحلام الثامنة عشرة عاماً. وأثناء إعدادها لشهادة الباكلوريا, كان عليها ان​​ تعمل لتساهم في إعالة إخوتها وعائلة تركها الوالد دون مورد. ولذا خلال ثلاث سنوات​​ كانت أحلام تعدّ وتقدّم برنامجًا يوميًا في الإذاعة الجزائريّة يبثّ في ساعة​​ متأخرّة من المساء تحت عنوان​​ "همسات​​". وقد لاقت تلك​​ "الوشوشات" الشعريّة نجاحًا كبيرًا تجاوز الحدود الجزائرية الى دول المغرب العربي​​. وساهمت في ميلاد إسم أحلام مستغانمي الشعريّ, الذي وجد له سندًا في صوتها الأذاعيّ​​ المميّز وفي مقالات وقصائد كانت تنشرها أحلام في الصحافة الجزائرية. وديوان أوّل​​ أصدرته سنة​​ 1971 في الجزائر تحت عنوان "على مرفأ​​ الأيام​​".

في هذا الوقت لم يكن أبوها حاضراً ليشهد ما حقّفته​​ ابنته. بل كان يتواجد في المستشفى لفترات طويلة, بعد أن ساءت​​ حالته​​.

هذا الوضع سبّب لأحلام معاناة كبيرة. فقد كانت كلّ​​ نجاحاتها من أجل إسعاده هو, برغم علمها أنّه لن يتمكن يومًا من قراءتها لعدم إتقانه​​ القراءة بالعربية​​.

 

وكانت فاجعة الأب الثانية, عندما انفصلت عنه أحلام​​ وذهبت لتقيم في باريس حيث تزوّجت من صحفي لبناني ممن يكنّون ودًّا كبيرًا​​ للجزائريين. وابتعدت عن الحياة الثقافية لبضع سنوات كي تكرِّس حياتها لأسرتها. قبل​​ أن تعود في بداية الثمانينات لتتعاطى مع الأدب العربيّ من جديد. أوّلاً بتحضير​​ شهادة دكتوراه في جامعة السوربون. ثمّ مشاركتها في الكتابة في مجلّة "الحوار" التي​​ كان يصدرها زوجها من باريس, ومجلة "التضامن" التي كانت تصدر من​​ لندن​​.

 

أثناء ذلك وجد الأب نفسه في مواجهة المرض​​ والشيخوخة والوحدة. وراح يتواصل معها بالكتابة إليها في كلّ مناسبة وطنية عن ذاكرته​​ النضاليّة وذلك الزمن الجميل الذي عاشه مع الرفاق في​​ قسنطينة​​.

ثمّ ذات يوم توّقفت تلك الرسائل الطويلة المكتوبة​​ دائمًا بخط أنيق وتعابير منتقاة. كان ذلك الأب الذي لا يفوّت مناسبة, مشغولاً​​ بانتقاء تاريخ موته, كما لو كان يختار عنوانًا​​ لقصائده​​.

 

في ليلة​​ أوّل نوفمبر​​ 1992, التاريخ المصادف لاندلاع الثورة​​ الجزائريّة, كان محمد الشريف يوارى التراب في مقبرة العلياء, غير بعيد عن قبور​​ رفاقه. كما لو كان يعود إلى الجزائر مع شهدائها. بتوقيت الرصاصة الأولى. فقد كان​​ أحد ضحاياها وشهدائها الأحياء. وكان جثمانه يغادر مصادفة المستشفى العسكري على وقع​​ النشيد الوطنيّ الذي كان يعزف لرفع العلم بمناسبة أوّل​​ نوفمبر​​.

ومصادفة أيضًا, كانت السيارات العسكريّة تنقل نحو​​ المستشفى الجثث المشوّهة لعدّة جنود قد تمّ التنكيل بهم على يد من لم يكن بعد​​ معترفًا بوجودهم كجبهة إسلاميّة مسلّحة​​.

لقد أغمض عينيه قبل ذلك بقليل, متوجّسًا الفاجعة​​. ذلك الرجل الذي أدهش مرة إحدى الصحافيّات عندما سألته عن سيرته النضاليّة, فأجابها​​ مستخفًّا بعمر قضاه بين المعتقلات والمصحّات والمنافي, قائلاً: "إن كنت جئت إلى​​ العالم فقط لأنجب أحلام. فهذا يكفيني فخرًا. إنّها أهمّ إنجازاتي. أريد أن يقال​​ إنني "أبو أحلام" أن أنسب إليها.. كما تنسب هي​​ لي​​".

 

كان يدري وهو الشاعر, أنّ الكلمة هي الأبقى. وهي​​ الأرفع. ولذا حمَّل ابنته إرثًا نضاليًا لا نجاة منه. بحكم الظروف التاريخيّة​​ لميلاد قلمها, الذي جاء منغمسًا في القضايا الوطنيّة والقوميّة التي نذرت لها أحلام​​ أدبها. وفاءًا لقارىء لن يقرأها يومًا.. ولم تكتب أحلام سواه. عساها بأدبها تردّ​​ عنه بعض ما ألحق الوطن من أذى بأحلامه​​.

 

مراد مستغانمي شقيق​​ الكاتبة  

Join the official Ahlem Mosteghanemi Facebook and Twitter page. 

  • Facebook
  • X
  • Instagram
  • Youtube
bottom of page